أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

360

شرح مقامات الحريري

المقامة السّادسة والأربعون وهي الحلبيّة روى الحارث بن همام قال : نزع بي إلى حلب ، شوق غلب ، وطلب يا له من طلب ! وكنت يومئذ خفيف الحاذ ، حديث النفاذ ، فأخذت أهبة السّير ، وخفقت نحوها خفوق الطّير ؛ ولم أزل مذ حللت ربوعها ، وارتبعت ربيعها ، أفاني الأيام ، فيما يشفي الغرام ، ويروى الأوام ؛ إلى أن أقصر القلب عن ولوعه ، واستطار غراب البين بعد وقوعه . * * * نزع بي ، أي شوّقني وحملني . [ مدينة حلب ] حلب : مدينة عظيمة بالشام وقنّسرين ، خمس من أخماس الشام ، ومدينته العظمى حلب وساحلها أنطاكية . وذكرها شيخنا ابن جبير فقال : حلب بلدة قدرها خطير ، وذكرها في كلّ زمان يطير ، خطابها من الملوك كثير ؛ كانت في القديم ربوة فيما يقال ، كان يأوي إليها إبراهيم الخليل عليه السلام بغنمه ، فيحلبها هناك ويتصدّق بلبنها ، فسميت حلب ، وبها مشهد كريم منسوب إليه ، يتبرّك الناس بالصلاة فيه ، ولها قلعة شهيرة الامتناع ، بائنة الارتفاع ، معدومة الشبه والنظير في القلاع ، تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع ، قاعدة كبيرة ، ومائدة من الأرض مستديرة ، منحوتة الأرجاء ، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء ، فسبحان من أحكم تدبيرها وتقديرها ، وأبدع كيف شاء تصويرها وتدويرها ، ومن كمال جمالها الزائد على المشترط لحصانة القلع أنّ الماء بها نابع وقد صنع عليها جفان ، والطعام يصير فيها الدهر كله ، وليس من شروط الحصانة أهمّ من هاتين الخلّتين ، ويطيف بجبلها سوران حصينان ، يعترض دونهما خندق بالماء ، فلا يكاد البصر يبلغ مدى عمقه ، وسورها الأعلى مجلّل ، كله أبراج منتظمة فيها العلالى المنيعة ، وقد تفتحت كلّها طبقات ، وكل برج منها مسكون ، والبلد ضخم جدا ، جميل الترتيب ، أسواقه متصلة الانتظام ، تخرج من سماط صفّة إلى سماط أخرى ، وقيساريتها وجامعها ومدارسها ما سمع بمثل وصفها في بلد من بلاد اللّه تعالى ؛ كل سوق من أسواقها مسقّف بالخشب ، يقيد البصر حسنا ويستوقف المستوفز تعجبا . وقيساريتها حديقة بستان نظافة وجمالا ،